تقديم
بمبادرة من Resilient Futures، ننشر هذه الحصيلة المعرفية حول الحلقة الاستثنائية التي ضربت تونس من 10 إلى 22 جويلية 2026، ومساهمةً في النقاش حول التكيّف مع أزمة المناخ.
يفكّك هذا التقرير، دون مجاملة، إخفاقات حوكمتنا لمخاطر الحرّ الشديد. لكنه لا يتوقف عند التشخيص.
فخلف كل خلل تكمن رافعة للعمل. هامش التحسّن في الاستجابة العمومية واسع، والحلول موجودة فعلًا، في الآجال القصيرة والمتوسطة والبعيدة.
الأهم هو الجرأة على اتخاذ القرارات الضرورية، والارتقاء إلى مستوى التحديات، حتى نواجه الحلقات المقبلة بشكل أفضل.
حدود التحليل ونطاقه
- لا يدّعي هذا التحليل الشمولية، وسيستفيد من تحديثه بالمعطيات الرسمية، التي لم تُنشر بعد، حول الحجم الحقيقي لهذه الحلقة الحرارية الشديدة.
- يغطي التحليل الفترة الممتدة من 10 إلى 22 جويلية 2026، وهو التاريخ الذي بدأت فيه درجات الحرارة القصوى تنخفض في عدة جهات. غير أن الجنوب والمناطق الداخلية شهدت تراجعًا أضعف بكثير من الجهات الساحلية.
- استمرت انقطاعات الكهرباء والماء وحرائق الغابات بعد 22 جويلية: فقد واصل عدد من المتضررين مكابدة أوضاع صعبة بعد انتهاء الفترة المدروسة.
الملخص التنفيذي
من 10 إلى 22 جويلية 2026، عاشت تونس موجة حرّ شبه متواصلة دامت أسبوعين، وبلغت 49 إلى 50 درجة مئوية بحلول 21 جويلية. وقد تقدّمت الاستجابة العمومية أولًا في مجال التوقّع الجوي، إذ توقّع المعهد الوطني للرصد الجوي (INM) الحلقة قبل 48 ساعة منذ 8 يوليو، وفي مجال الإجراءات الموجّهة، كحماية الماشية والشفافية العملياتية للحماية المدنية. لكن التسلسل نفسه كشف بسرعة عن استجابة بقيت قطاعية ومنعدمة التنسيق إلى حد كبير: نصائح صحية نُشرت عند ذروة الحرّ لا قبلها، وعمال معرّضون للخطر غائبون عن الرسائل الموجهة إلى الجمهور، وفوق ذلك صمت أوّلي من الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG) ووزارة البيئة والبلديات. ومع ذلك، كان بلاغ معزول لـ STEG في القيروان قد أعلن، دون أن يسمّيها، بوادر الأزمة الطاقية القادمة.
وقد وقع خطأ اتصالي جسيم في التنبيه الأوّلي للمعهد الوطني للرصد الجوي. فقد أُصدر لموجة حرّ متوقعة من 10 إلى 12 يوليو، وأشار إلى درجات حرارة مرتفعة في الأسبوع الموالي دون أن يحدّد حجم الذروات ولا الأيام المعنية. ثم ارتفعت درجات الحرارة من جديد وتحوّلت موجة الحرّ إلى موجة حرّ شديدة، دون أن يأتي تنبيه تصحيحي يعيد الوضع إلى سياقه. فلم تصدر تنبيهات الإنذار إلا قبل أقل من 24 ساعة من ذروة 17 يوليو، ثم قبل نحو 24 ساعة من أحرّ يوم في الموسم، 21 يوليو، حين بلغت درجات الحرارة نحو 49 إلى 50 درجة، قرب الرقم القياسي الوطني لشهر جويلية (1).
وقد دفع الصمت الرسمي وغياب الاستعداد ثمنًا باهظًا: انقطاع للكهرباء في ليلة 14 إلى 15 جويلية وُصف بـ«التاريخي»، وتخفيف للأحمال صار يوميًا، وأزمة مياه طالت نحو عشرة ولايات، وحصيلة بشرية تتفاقم، ثم تصعيد مؤسساتي متأخر على مستوى النقابات والرئاسة وأخيرًا البرلمان. كما تكشف مؤشرات مناخية قليلًا ما توظفها الاتصالات الرسمية، وهي الليالي المدارية (2) والليالي الاستوائية ومؤشر الحرارة المحسوسة، عن شدة أكبر مما توحي به الذروات النهارية التي تُعلن كل يوم.
وخلافًا لكل توقّع ولكل منطق لإدارة الأزمات، لم تُحدث أي خلية أزمة، ولم يتكلم أي مسؤول رفيع المستوى علنًا عن الوضع لمدة طويلة، ما أذكى غضب المواطنين إزاء الأوضاع الهشّة التي وجدوا أنفسهم فيها.
أبرز الملاحظات
- غياب خطة وطنية للموجات الحارة. تواجه تونس موجات حرّ تزداد تواترًا وشدة، دون منظومة وطنية للاستعداد والاستجابة المنسّقة. كل حلقة تُدار في حالة طوارئ وبشكل متفرّق، رغم التوصيات المتكررة لمنظمة الصحة العالمية.
- عجز متكرّر في التوقّع وموقف سلبي. ليس الأمر حادثًا معزولًا. فالتنبيه الأوّل في 8 جويلية وما تلاه، وغياب النصائح التي لم تُفعَّل قبل الذروات، وإخفاقات واضحة في تحويل المعطيات المناخية المتاحة إلى توجيهات عمومية مستقرة ومؤرّخة، كلها تكشف النمط نفسه.
- استجابة عمومية متجزّئة، تأكدت وتفاقمت. مرّت الذروة الأولى والشركة STEG ووزارة البيئة والبلديات صامتة، تلتها تبعًا لذلك «ظلمة تاريخية» (14–15 جويلية) وأيام من الصمت المؤسساتي، قبل أن تنشر STEG بشكل منهجي مناطق تخفيف الأحمال ابتداءً من 16 جويلية. غير أن المواعيد المعلنة لم تكن محترمة ولا مطابقة للواقع، في انقطاعات أصبحت منتظمة وهيكلية.
- حصيلة بشرية ثقيلة، مقدّرة لكنها لم تُعتمد رسميًا قط. قدّرت المنظمة التونسية للأطباء الشباب (OTJM) الحصيلة بين 150 و200 وفاة (3)، مع استنكارها صمت وزارة الصحة (4) التي لم تُعلن أي رقم. ولم تُجرَ في تونس أي دراسة لعلاقة السببية، لا على مستوى الوفيات ولا الأمراض، لغياب مراقبة وبائية للحرّ. ويُضاف إلى ذلك الغياب المستمر لأي إشارة علنية إلى العمال الزراعيين والعاملين في الهواء الطلق بوصفهم فئة معرّضة للخطر، رغم توصيات منظمة الصحة العالمية (5).
- أزمة مياه مرتبطة هيكليًا بأزمة الكهرباء. فضخ الشركة الوطنية لاستغلال توزيع المياه (SONEDE) يعتمد على شبكة STEG، ما أصاب جهات تتجاوز المناطق المهمّشة تاريخيًا، في حين قُدّم معدل امتلاء السدود (نحو 60%) بوصفه مطمئنًا. وهذا يدل على أزمة تدبير أكثر منها أزمة موارد.
- آلاف الهكتارات أتت عليها النيران. حسب الحماية المدنية والإدارة العامة للغابات (6)، أتت 101 حريق على نحو 1788 هكتارًا بين 1 جوان و22 يوليو، منها 90 حريقًا اندلعت بين 11 و22 جويلية. وفي ذروة الحلقة، اندلع حريق جديد كل خمس دقائق (7)، على مصالح أنهكتها الموجة الحارة أصلًا.
- فجوة حرجة بين العرض والطلب. بلغ الطلب في الذروة نحو 6000 ميغاواط مقابل طاقة وطنية تبلغ 4630 ميغاواط، أي عجز قدره 1370 ميغاواط تغطّيه الواردات الجزائرية (8). وقد أربك ذلك الصناعة، مع توقّف آلات أبلغ عنه اتحاد الصناعات الصغرى والمتوسطة (UPMI)، ورفع كلفة الكيلوواط ساعة غير الموزّع (9) إلى ما بين 4 و5 دنانير. وتُعرض الأرقام التفصيلية في القسم 4.6.
- تصعيد مؤسساتي متأخر ومتردّد على ثلاث مراحل. جاء الاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT) أولًا في 18 جويلية بخطة إنقاذ هيكلية، ثم الرئاسة (قيس سعيّد، 18–19 جويلية) التي وصفت الانقطاعات بـ«غير الطبيعية»، وأخيرًا مجلس نواب الشعب (ARP) الذي طالب بجلسة عامة يوم 21 جويلية.
خلاصات وتوصيات رئيسية
تُوثّق الحلقة الممتدة من 10 إلى 22 جويلية ظاهرة واحدة في العمق: فالحلقات الحرارية الشديدة تعمل بوصفها مضاعِفات للمخاطر. فهي لا تخلق الاختلالات، بل تكشف وتضخّم نقاط الضعف الهيكلية للقطاعات المعنية (الطاقة والمياه والصحة والغابات). وفي مواجهة ذلك، تظل الاستجابة العمومية تفاعلية ومجزّأة بين المتدخلين والمؤسسات: إنها تتقدم تحت الضغط، لكنها ما زالت تفتقر إلى قيادة بين-وزارية للأزمة وإلى بروتوكول موحّد للتواصل العمومي.
1. الحوكمة وقيادة الأزمة
إنشاء خلية بين-وزارية «للحرّ الشديد» تُفعَّل عند الإنذار البرتقالي وتقودها السلطة التنفيذية، لا المتدخلون الميدانيون. اعتماد خطة وطنية للموجات الحارة تتماشى مع توجيهات منظمة الصحة العالمية، وتُفصَّل في خطط محلية تتولاها البلديات (تحديد الفئات الهشة، وفضاءات التبريد).
2. التنبيه والإنذار
نشر منظومة إنذار مبكر متعددة المخاطر (الموجات الحارة والفيضانات والحرائق) تربط نشرات المعهد الوطني للرصد الجوي بتوجيهات سلوكية وتفعيل منسّق للمصالح. وإدراج الليالي الاستوائية ومؤشر الحرارة المحسوسة والاستمرارية في المعايير الرسمية.
3. المراقبة الصحية
إرساء متابعة للوفيات (الفائض والوفيات المنسوبة إلى الحرّ) ولحالات المرض (الإسعافات الاستعجالية لضربات الحرّ والجفاف وانخفاض صوديوم الدم)، تُفعَّل من الإنذار البرتقالي. وفتح تحقيق رسمي في الوفيات المرتبطة بانقطاعات الكهرباء ونشر حصيلة بشرية مضبوطة. فبلا معطيات لا يوجد إنذار ولا تقييم للسياسات.
4. حماية الفئات المعرّضة للخطر
تعميم إحصاء الأسر المعتمدة على الكهرباء (على غرار آلية سيدي بوزيد) مع إشعار مسبق بالانقطاعات. وتسمية الفئات المنسيّة صراحة: العمال المعرّضون للخطر، والمرضى المزمنون، والنساء الماكثات في البيت، وكبار السن.
5. مرونة الطاقة والمياه والتواصل
معالجة الأسباب الهيكلية: قدرات الذروة، وصيانة الشبكة، والتخزين، والطاقات المتجددة. والتواصل بصوت واحد: جدولة موثوقة لتخفيف الأحمال، ومنصة رقمية رسمية في الوقت الحقيقي، ومعطيات موضوعة في سياقها بشكل منهجي (المعدلات المناخية، والحلقات السابقة).
6. ما بعد الحلقة
إضفاء الطابع المؤسسي على الدروس المستخلصة وتقييم عمومي بعد كل حلقة، حتى تُبنى الاستجابة التالية على هذه الدروس.
التوصية المركزية: تملك تونس المعطيات (الجوية والأكاديمية والاجتماعية) اللازمة للتوقّع والتواصل. ما ينقصها هو إطار مؤسسي موحّد يترجم هذه المعطيات إلى عمل عمومي منسّق، قبل كل حلقة وأثناءها وبعدها (انظر الرافعات الإحدى عشرة المفصّلة في القسم 7).
مقدمة
شكّل 10 جويلية 2026 بداية أول موجة حرّ في صيف تونس. فقد أُعلنت في البداية لثلاثة أيام فقط (10 إلى 12 جويلية)، لكنها امتدّت في الواقع حتى 22 يوليو، لتصبح السلسلة كلها تقريبًا أسبوعين متواصلين. ويتيح تحليل الاستجابة العمومية على امتداد هذه الفترة كلها التمييز بين التقدّم القليل الذي يستحق التنويه والثغرات التي ما زالت قائمة، وقياس المسافة التي يتعيّن قطعها لحوكمة منسّقة فعلًا لمخاطر الحرارة. ولتجاوز مجرد تجاور الملاحظات، يُقيَّم كل مؤسسة بمعايير أربعة: قدرتها على التوقّع، ووجود توجيهات سلوكية موجّهة للجمهور، والتنسيق بين المؤسسات، والعناية بحماية الفئات المعرّضة للخطر. وهذه القراءة العرضية هي ما يكشف طبيعة المشكل: فالمسألة ليست نقصًا في المعلومة، بل خللًا في التنسيق والتفاعل بين المتدخلين. خلل لم يتراجع مع تفاقم الأزمة، وانتهى إلى فرض الاعتراف، وهو اعتراف غير مسبوق، بمحدودية شديدة لقدرات التوقّع لدى السلطات العمومية.
1. التسلسل الزمني الكامل للحلقة (10–22 جويلية)
يكشف التتبّع الزمني للرسائل العمومية عن فجوة مركزية تتكرر عدة مرات خلال الفترة: فالتوقّع الجوي والعلمي يسبق بشكل منهجي بعدة أيام الاعترافات المؤسساتية الموجّهة إلى السكان.
يفصّل الجدول أدناه، يومًا بيوم، الرسائل العمومية الصادرة عن كل جهة مؤسساتية:
- 27–28 جوان — وزارة الصحة: أولى رسائل الوقاية الموسمية، لم تُفعَّل من جديد مع اقتراب الحلقة.
- 8 جويلية — المعهد الوطني للرصد الجوي (INM): أول إنذار جوي: ارتفاع ابتداءً من 10 يوليو، وذروات في 11 و12، مع ارتفاع وريح السيروكو ابتداءً من 13 و14 جويلية.
- 9 جويلية — الفلاحة / الحماية المدنية: حماية الماشية؛ إنذار مزدوج للحرارة والحرائق دون أي إشارة إلى الفلاحين والفلاحات.
- 10 جويلية — STEG القيروان: انقطاعات محلية قُدّمت بوصفها «تجارب تقنية»، دون أي صلة بموجة الحرّ.
- 11 جويلية — وزارة الصحة: توجيهات نُشرت في الساعة 14:52، عند الذروة، بعد يوم ونصف من بداية الحلقة الحرارية؛ إنذار برتقالي.
- 12 جويلية — INM: ذروة الحلقة الأولى: 10 ولايات في الإنذار البرتقالي، وبلوغ 46 درجة في القيروان.
- 14 جويلية — INM: عودة الحرّ، قُدّمت بوصفها «موجة جديدة»، في حين كانت الموجة نفسها قد تحوّلت إلى موجة حرّ شديدة.
- 14–15 جويلية (ليلًا) — STEG: «ظلمة» وُصفت بالتاريخية؛ صمت مؤسساتي حتى صباح اليوم التالي.
- 15 جويلية — INM / الصحة: إنذار برتقالي (12 ولاية)؛ وفاتان مؤكدتان في مدنين.
- 16 جويلية — STEG: أول قائمة مسبقة لمناطق تخفيف الأحمال، لم تكن تعكس فعليًا المناطق والأوقات الحقيقية للانقطاع.
- 18 جويلية — الاتحاد العام التونسي للشغل / الرئاسة / سيدي بوزيد: خطة إنقاذ يطالب بها الاتحاد؛ تصريح رئاسي عن انقطاعات «غير طبيعية»؛ آلية محلية للأوكسجين.
- 20–21 جويلية — INM / ARP: 23 ولاية في إنذار مرتفع، حتى 49–50 درجة؛ نواب يطالبون بجلسة عامة.
- 22 جويلية — INM: تراجع طفيف أول للحرارة على السواحل؛ استمرار في داخل البلاد.
2. تحليل حسب المؤسسة
المعهد الوطني للرصد الجوي: توقّع حقيقي، لكن تنبيه ناقص
أصدر المعهد الوطني للرصد الجوي أول تنبيه له صباح 8 يوليو، أي قبل نحو 48 ساعة من بداية الحلقة، معلنًا ذروات بين 40 و45 درجة في الداخل، أعلى من المعدلات الموسمية بـ6 إلى 10 درجات. وقد أُعيد نشر التنبيه في اليوم نفسه، وخريطة الإنذار تُحدَّث باستمرار (عشر ولايات في البرتقالي يوم 12 جويلية). وتكرّرت آلية التوقّع نفسها في 10 و14 و16 و19 و21 جويلية. وفي غياب توضيح رسمي علني، اعتبرت بعض وسائل الإعلام أن الأمر موجة حرّ ثانية، في حين كانت هي الموجة الأولى التي تحوّلت إلى موجة حرّ شديدة. وبقيت رسالة المعهد تقنية بحتة طوال الفترة، لا تتضمن توجيهات سلوكية ولا سياقًا لمخاطر الليل (القسم 3)، ولا مقارنة بالمعدلات الموسمية أو المعايير المناخية.
وعلاوة على ذلك، واصل المعهد وصف الحلقة بأنها «موجة حرّ»، رغم أن الحرارة الليلية المرتفعة جدًا ومدة الحلقة كانتا كافيتين لتوصيفها بموجة حرّ شديدة.
وكان من شأن التواصل والإعلام أن يكونا أكثر إفادة وتوعية وتعبئة لو استندا إلى عناصر تجريبية كالليالي الاستوائية والموجات الحارة الليلية.
وصور الحرارة اليومية التي ينشرها المعهد على صفحته في فيسبوك، وهي قناته الأولى للتواصل، مضلّلة ولا تعكس خطورة الوضع الجوي (صور فنادق وشواطئ وبحار هادئة، وغيرها).
وكان نشر الذروات النهارية وحدها كل يوم سيستفيد من استكماله بمؤشرات أكثر دلالة على خطورة الحلقة. فمؤشران مناخيان قليلًا ما تستعملهما الاتصالات الرسمية، وهما الليالي المدارية والاستوائية من جهة، والاستمرارية التي يقيسها مؤشر الحرارة المحسوسة من جهة أخرى، يكشفان في الواقع شدة أكبر مما توحي به الذروات النهارية المعلنة كل يوم (انظر القسم 3). فبإدراج الحدّ الأدنى الليلي ومدة تراكم الإجهاد الحراري، يعبّران عمّا يثقل فعلًا على الصحة والفلاحة والبنية التحتية: غياب الاستشفاء، يومًا بعد يوم، لا شدة ذروة معزولة.
وزارة الصحة: تعميم متأخر بشكل منهجي
كانت الوزارة قد بدأت تواصلها الوقائي منذ 28 جوان و2 يوليو، لكن هذه الرسائل لم تُفعَّل من جديد مع اقتراب الحلقة: فتوصيات الحماية لم تُنشر إلا في 11 جويلية في الساعة 14:52، أي في لحظة الذروة نفسها. وتكرر النمط نفسه طوال الحلقة: لم يسبق عودة الحرّ في 14 جويلية أي تنبيه صحي محدد، وظلت تذكرة الوقاية الصادرة في 13 جويلية (11) عامة، دون إشارة إلى الخطر الخاص بغياب التبريد الليلي (القسم 3)، ولا إلى الفئات المعتمدة على الكهرباء التي كشفتها بعد يومين وفيات مدنين (12).
ولم يُسجَّل أي إجراء بشأن إنشاء فضاءات للتبريد بالتنسيق مع البلديات. والأدهى أن حالات وفاة عدة أُبلغ عنها بسبب مضاعفات لدى مرضى يعانون أمراضًا تنفسية أو قلبية وعائية.
والثغرة الكبرى في المتابعة الصحية لهذه الحلقة الحرارية هي غياب أي رابط للسببية. فالأرقام التونسية للوفيات والأمراض تستند أساسًا إلى سلسلتين من الدراسات يعود عهدهما إلى أكثر من عشر سنوات، تركّزان على تونس العاصمة (2005–2007) وعلى بعض الجهات (1991–2011). ولا يوجد، على حد علمنا، نظام لمراقبة وبائية للوفيات الناجمة عن الحرارة في الوقت الحقيقي يعادل الأنظمة الأوروبية. وهذه أولوية استثمارية مؤسساتية: فبلا معطيات لا يوجد إنذار ولا تقييم للسياسات. ومن المعروف كذلك أن الوفيات الزائدة المرتبطة بالحرارة ترتبط غالبًا بمضاعفات قلبية وعائية أكثر مما ترتبط بضربة الحرّ المباشرة.
إن إقامة أنظمة إنذار مبكر للمخاطر (الموجات الحارة والفيضانات والحرائق) ضرورة، ويمكن لهذه الأنظمة أن تشمل عدة قطاعات: البناء والفلاحة والصحة وغيرها.
وزارة الفلاحة: بروتوكول ناقص
أصدرت الوزارة بيانًا مفصّلًا منذ 9 جويلية حول حماية الماشية من إجهاد الحرارة. وهذه الصرامة، المحافظ عليها مع الوقت، تكشف عن ثغرة مستمرة طوال الفترة: فالعاملون المعرّضون للحرارة، في الفلاحة أو في الهواء الطلق، ما زالوا غائبين عن الرسائل العمومية بوصفهم أصحاب حقوق، رغم أن منظمة الصحة العالمية تصنّفهم الآن صراحة ضمن الفئات ذات الأولوية (القسم 7). كما أن التواصل حول تدبير الموارد المائية غائب عن الوزارة التي تفوّضه إلى SONEDE.
الحماية المدنية: شفافية في الأرقام
أصدرت الحماية المدنية منذ 9 جويلية إنذارًا مزدوجًا للحرارة والحرائق، مصحوبًا بحصيلة عملياتية شفافة، وهي ممارسة نادرة في نشر المعطيات لدى الفاعلين التونسيين، وقد استمرت طوال الحلقة. غير أن هذه الأرقام يجب أن تُقرأ بوصفها ما هي عليه: فمع اشتداد الموجة الحارة، انصبّ الجهد الأكبر على مكافحة الحرائق والحالات الكثيرة لاندلاعها (انظر القسم 5)، ما قلّص آليًا الموارد المتاحة لعمليات الإنقاذ الأخرى. وتتطابق الحصيلة الواردة أدناه مع ذروة النشاط في 9–10 يوليو، ثم لم تزدد إلا ثقلًا بعد ذلك.
STEG: من الغياب الصامت إلى ضغط قوي
أصبحت STEG، ابتداءً من 14 يوليو، أكثر الفاعلين تحت المراقبة في الأزمة: صمت تام أثناء «الظلمة التاريخية» في ليلة 14–15 يوليو، ثم نشر مناطق تخفيف الأحمال مسبقًا ابتداءً من 16 جويلية (13)، وهي ممارسة أصبحت منتظمة يوميًا من 18 إلى 22 جويلية. وهذا هو التطور الواضح والإيجابي الوحيد الموثّق على امتداد الفترة كلها، رغم أن الأوقات المعلنة لم تكن موثوقة ولا محترمة، وظلت المدة الدقيقة للانقطاعات غير واضحة، ولم يُفتح لحدّ الآن أي تحقيق رسمي في الوفيات. والأمر الدال أن المشغّل لم يُقم أي منصة رقمية للمتابعة في الوقت الحقيقي. فكان على متطوعين شباب أن يطوّروا أداة كهذه، أصبحت مرجعًا للمواطنين: منصة «فما ضو» (Fama Dhaw).
ولم تبتكر STEG في توجيهاتها ولم تنقل حتى الرسائل ومواد التوعية التي طوّرتها الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة (ANME). وكان يمكن لهذه المواد أن تكون مفيدة، خاصة وأن الضغط على الشبكة بلغ ذروته، وكان ينبغي استكشاف كل السبل إلى أقصاها.
SONEDE: أزمة تدبير أكثر منها أزمة موارد
أكدت SONEDE يوم 16 جويلية أن انقطاعات المياه ترجع في الآن نفسه إلى أعطاب الشبكة وإلى طلب قياسي، رغم أن وزارة الفلاحة ما زالت تصف معدل امتلاء السدود (نحو 60%) بأنه مطمئن. وقد أُطلق في 20 جويلية مشروع لتأمين التزوّد بالمياه في مورناقية (14)، وهو علامة على استجابة هيكلية موجّهة بالتوازي مع التدبير اليومي.
الاتحاد العام التونسي للشغل، الرئاسة، مجلس نواب الشعب: تدخّل خجول جدًا، دون الانتظارات ولا في مستوى الأزمة
ثلاث جهات جديدة، غائبة منذ بداية الحلقة الحرارية الشديدة، دخلت النقاش العمومي متأخرة جدًا ابتداءً من 18 جويلية: الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي طالب في بيان بخطة وطنية هيكلية للإنقاذ لصالح STEG وSONEDE؛ ورئاسة الجمهورية، بتصريح واحد يصف الانقطاعات بـ«غير الطبيعية»؛ ثم مجلس نواب الشعب، الذي طالب بجلسة عامة مخصصة للموضوع يوم 21 جويلية. ويمثّل هذا التدخل السياسي المحدود، في ثلاث مراحل ودون أي متابعة عملياتية، في حد ذاته مؤشرًا على خطورة لم يكن التحليل الجوي وحده قادرًا على توقّعها. والغريب أنه لم يُتخذ أي قرار سياسي.
وفي مساء 22 يوليو، أي بعد أسبوعين من أول تنبيه للمعهد الوطني للرصد الجوي في 8 يوليو، عقد رئيس الجمهورية اجتماعًا جمع وزير الداخلية، ووزير التجهيز والإسكان المكلّف أيضًا بتسيير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، ووزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، والرئيسين المديرين العامين لـ STEG وSONEDE، إضافة إلى المدير العام للديوان الوطني للحماية المدنية. ولم يُتخذ أي قرار.
الغائبون المستمرون: وزارة البيئة والوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة والبلديات
على خلاف STEG، ظلّت الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة ووزارة البيئة وعدد من البلديات صامتة طوال الفترة كلها، بما في ذلك أثناء تصعيد منتصف جويلية. ويؤكد هذا الصمت، دون لبس، ملاحظة العمل بمنطق المصالح المنعزلة الواردة في المذكرة الأولى، ويُبرز الغياب المستمر لخطط مناخية أو لخطط للموجات الحارة على المستوى المحلي، رغم أنها أُوصي بها منذ بداية هذه الحلقة الحرارية الشديدة (القسم 7، الرافعة 3).
3. الحرارة والاستمرارية والسياق: ما وراء الميزان الحراري
تكرر تداول درجات الحرارة طوال الحلقة، لكن نادرًا ما وُضعت في سياقها. والسياق بالذات هو ما يحوّل المعطى الخام إلى معلومة مفيدة، سواء للقرار أو لفهم الاختلال المناخي.
تُعدّ الأشهر الأربعة لشهر جويلية الأحرّ التي سُجّلت على الإطلاق في تونس حديثة (2023 و2024 و2003 و2025)، وكان المعهد الوطني للرصد الجوي قد توقّع صيفًا 2026 أحرّ من المعدلات، وهو توقّع أكدته درجات الحرارة بين 46 و50 درجة المسجّلة بين 10 و21 جويلية. ويعتبر الفريق الحكومي الدولي المعني بتغيّر المناخ (GIEC) الحوض المتوسطي «نقطة ساخنة» للاحترار، حيث تصبح موجات الحرّ أكثر تواترًا وشدة وأطول مدة. وتتفق السيناريوهات المناخية الوطنية والمساهمة المحددة وطنيًا (CDN) لتونس على التشخيص نفسه.
وبدلًا من الاكتفاء بتقاسم أعلى درجة حرارة نهارية كل يوم، سيكون من الأجدى استكمال هذا المعطى بعناصر أخرى، كدرجة الحرارة المحسوسة، والحد الأدنى الذي تسجّله الحرارة ليلًا، ومتوسط الحرارة على مدار اليوم كله.
3.1 الليالي الاستوائية: خطر مقاس، لكنه غير مسمّى في الإنذارات
ما وراء الذروة النهارية القصوى، عامل أساسي وكثيرًا ما يُنقل بشكل ناقص ميّز الحلقة كلها: استمرار الحرارة بعد غروب الشمس. فيُطلق في علم المناخ اسم «الليلة المدارية» على الليلة التي لا تنخفض فيها الحرارة عن 20 درجة. وأعلى من 24–25 درجة نتحدث عن «ليلة استوائية» أو «ليلة شديدة الحرارة». ووفقًا للدراسات العلمية التي تغذي يقظة الموجات الحارة لدى مصالح الأرصاد في بلدان أخرى، فإن غياب الاستشفاء الحراري ليلًا، أكثر من الذروة النهارية، هو ما يفسّر الوفيات الزائدة المسجّلة خلال موجات الحرّ.
وقد أوردت نشرات المعهد الوطني للرصد الجوي، بين 13 و22 يوليو، حدودًا دنيا ليلية تتراوح بين 25 و30 درجة على معظم التراب الوطني، وبلغت 34 إلى 36 درجة في الجنوب الغربي، وبلغت 42 درجة بشكل عرضي في 19 جويلية. وهي قيم تتجاوز بكثير عتبة الليلة المدارية، وتعبر كثيرًا عتبة الليلة الاستوائية. ومع ذلك، فإن هذه الظاهرة لا تظهر، إلى غاية 22 يوليو، في أي اتصال رسمي تحت هذه التسمية، ولا بوصفها معيارًا صريحًا للإنذار: فالمعهد يقدّمها بوصفها معطى جويًا عاديًا، وتظل تذكرة الوقاية الصادرة في 13 جويلية عامة، دون توصية مخصصة (التهوية ليلًا، وتبريد الغرفة التي ينام فيها الناس). ويؤكد هذا التشخيص الصحافة العلمية الدولية، ولا سيما Euronews (22 جوان 2026) وThe Conversation، اللتين تؤكدان أنها خلاصة علمية أصبحت راسخة دوليًا، وليست فرضية معزولة.
3.2 مؤشر الحرارة المحسوسة: إدماج الرطوبة في اليقظة
يوجد معامل ثانٍ، غائب اليوم عن اليقظة التونسية، من شأنه أن يحدّد بشكل أفضل الخطر الحقيقي على الصحة: مؤشر الحرارة المحسوسة (أو الحرارة الظاهرية). فهو يجمع بين حرارة الهواء والرطوبة النسبية لتقدير الحرارة التي يشعر بها الجسم فعليًا: ففي الرطوبة العالية يتبخر العرق بصعوبة، ويعجز الجسم عن التبرد، بحيث تكون 38 درجة في هواء رطب أخطر من 42 درجة في هواء جاف.
وهذا المؤشر، المستعمل على نطاق واسع في أنظمة إنذار الحرّ والصحة (مؤشر الحرارة الأمريكي، وHumidex الكندي، والمؤشرات المدمجة في منظومة الصحة العمومية الفرنسية Santé publique France (16))، مرتبط مباشرة بالخطر الصحي: ضربات الحرّ، والجفاف، والاختلالات القلبية الوعائية. وإدماجه في معايير المعهد الوطني للرصد الجوي سيكون قليل الكلفة وقابلًا للتطبيق فورًا: فسيجعل اليقظة أوفى للخطر المعيش، خاصة على الساحل، حيث تزيد الرطوبة من حدة درجات حرارة قصوى أدنى من تلك المسجّلة في الداخل.
4. آثار متسلسلة: من ذروة الاستهلاك إلى الانقطاع
4.1 طلب كهربائي قياسي
على خلاف القراءة السائدة التي تقدّم الحلقة بوصفها «أزمة حرارة»، لم تخلق موجة الحرّ عطب الشبكة الكهربائية، بل كشفت هشاشاتها السابقة وضخّمتها. ومفهوم المضاعِف للخطر (threat multiplier) أدقّ هنا من مفهوم السبب: فالحرارة تعمل بوصفها عامل ضغط يدفع منظومة مشدودة أصلًا إلى ما وراء هوامش أمانها.
والأرقام التي قدّمها الرئيس المدير العام لـ STEG، فيصل الطرابلسي (17)، توضّح ذلك جيدًا: فقد أشار إلى ذروة نحو 5000 ميغاواط في ساعات الذروة (من 13 إلى 17 ساعة)، أي بزيادة 30% عن الاستهلاك المعتاد. وتتحدث مصادر أخرى عن ذروة أعلى، نحو 6000 ميغاواط، بعد بلوغ 5.6 غيغاواط بضعة أيام قبل ذلك، حسب مسؤول في STEG نقلته القناة الوطنية (34). ومهما كان الرقم المعتمد، فإن هذا الطلب على التكييف، وإن كان استثنائيًا، يبقى متوقعًا ومتكررًا: فموجات الحرّ الصيفية لم تعد مفاجأة استراتيجية، بل أصبحت المعيار المناخي للحوض المتوسطي. فالسؤال إذن ليس «لماذا انفجر الطلب؟» بل «لماذا لا يملك النظام أي هامش لامتصاص ذروة موسمية كانت متوقعة؟». وهنا تكمن الأسباب الهيكلية: قدرات ذروة غير كافية، وشبكة توزيع متقادمة وغير مصانة بما يكفي، واعتماد شبه كامل على الغاز، وضعف تاريخي في التخزين والطاقات المتجددة. وهذه الاختلالات موثّقة منذ زمن طويل ولم تُعالَج، وإنما كشفت الحرارة كلفتها بشكل مفاجئ وفي أسوأ لحظة.
وينطبق المنطق نفسه على اللجوء إلى «تخفيض الأحمال». فتخفيف الأحمال في ذاته أداة مشروعة لإدارة الأزمة: إنه يحمي الشبكة من انهيار عام. لكن ما يحوّل آلية تقنية للحماية إلى مصدر فوضى ليس الحرارة، بل حوكمة الحلقة. فالفارق بين الإعلان («انقطاعات لا تتجاوز ساعة») والواقع المعيش (عدة ساعات في معظم الجهات) يُنتج ثلاثة آثار تفاقم الخطر الصحي والاجتماعي بما يتجاوز الخطر الفيزيائي:
- إنه يهدم الثقة: فالمواطن الذي لم يعد يثق بالكلام المؤسسي يتوقف عن التوقع والتعاون، وهو عكس ما يتطلبه التكيّف الناجع.
- إنه يمنع الحماية الذاتية: فدون معلومات موثوقة عن مدة الانقطاعات وموقعها، لا تستطيع الأسر الهشة (كبار السن، والمرضى المزمنون، والمعتمدون على أجهزة طبية أو على سلسلة التبريد) اتخاذ أي تدبير للاحتماء.
- إنه يحوّل قيدًا تقنيًا إلى أزمة سياسية: فالغضب الملحوظ في عدة جهات لا يتوجه إلى الانقطاع في ذاته بقدر ما يتوجه إلى غموضه وطابعه التعسفي المتصوّر.
إن الحجة القائلة بأن الموجة تمسّ الحوض المتوسطي بأكمله، وتحدّ من التبادلات العابرة للحدود، صحيحة من حيث الوقائع، لكنها تعمل أيضًا بوصفها تحويلًا للمسؤولية. فهي تقدّم كقدر مناخي إقليمي ما يعود في الأصل إلى خيار: خيار عدم بناء القدرات والربط البيني، والأهم أنظمة التواصل في الأزمات، التي كانت ستمكّن من امتصاص خطر أصبح الآن متوقعًا تمامًا.
وبالخلاصة، يجب التمييز بين ثلاثة مستويات للسببية، وخلط بينها هو ما يغذي السردية المضلِّلة لـ«أزمة الحرارة»:
- الخطر المُحفّز (موجة الحرّ): حقيقي وشديد، لكنه متوقع ومتكرر.
- الهشاشة البنيوية (الاختلالات غير المعالجة في قطاع الكهرباء): وهي التي تحدد شدة الأثر.
- الخلل في الحوكمة (البيروقراطية، وغياب التواصل، والفارق بين الإعلان والواقع): وهو ما يحوّل ضغطًا قابلًا للتدبير إلى مناخ من الارتباك والفوضى.
فالحرارة الشديدة هي الكاشف، لا السبب. وإرجاع الحلقة إلى الطقس وحده يعني إعفاء المسؤوليات الهيكلية والمؤسسية، وبالتالي الحكم على أنفسنا بعيش السيناريو نفسه مع كل حلقة.
4.2 ليلة 14 إلى 15 جويلية: ظلمة وُصفت بالتاريخية
شملت أعطاب واسعة جهات عديدة، من تونس الكبرى إلى تطاوين، مرورًا بنابل والمنستير، وبدأت حوالي الساعة 23. فجرى تعبئة رجال الإطفاء لإنقاذ أشخاص محتجزين في المصاعد، وخسرت المتاجر إيرادات سهرة كاملة. والسمة الأكثر حديثًا عنها تبقى صمت السلطات: فلم توضح STEG الوضع إلا صباح اليوم الموالي. وأقرّ الرئيس المدير العام لاحقًا بثلاثة عوامل متراكمة: الحرّ الاستثنائي، والاستهلاك القياسي، وحادث وقع في الجزائر قلّص قدرات تبادل الكهرباء.
4.3 حصيلة بشرية تتفاقم
في 15 يوليو، أُكّدت وفاتان منفصلتان في ولاية مدنين (مدنين وبني معاكل بجربة)، بعد انقطاع للكهرباء أوقف عمل مكثّفات الأوكسجين. وتُمثّل هذه المآسي تحوّلًا في المستوى: فمن انزعاج جماعي موثّق على نطاق واسع (حرّ، وطوابير انتظار، وأطعمة فاسدة)، تجاوزت الأزمة عتبة الخطر المباشر على الحياة بالنسبة للمرضى المزمنين الذين يتلقون العلاج في منازلهم. ومع امتداد الحلقة، ازداد عدد الضحايا الذي تتداوله وسائل الإعلام، إلى أن قدّرت المنظمة التونسية للأطباء الشباب في 22 جويلية عدد الوفيات المنسوبة، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى تزامن الحرارة والانقطاعات، بما بين 150 و200 وفاة. وهذا الحجم، البعيد كل البعد عن الوفاتين المعترف بهما رسميًا، يكفي وحده لإظهار مدى الخلل الإحصائي الذي تركت الدولة الأزمة تقع فيه.
ويجب التأكيد هنا على حدّ منهجي هو في ذاته خلاصة سياسية: فمن الصعب جدًا إقامة حصيلة بشرية شاملة، لأن الدولة لا تعلن أي رقم، ولا تفتح أي تحقيق، ولا تملك أي نظام لمراقبة الوفيات المرتبطة بالحرارة. وقد نددت المنظمة الشبابية للأطباء صراحةً بـ«الصمت» و«الغياب شبه التام» لوزارة الصحة أمام ما وصفته بأزمة صحية حقيقية. ويُعدّ عدد الضحايا اليوم من طرف الطواقم الصحية ووسائل الإعلام والعائلات الثكلى، لا من طرف السلطات العمومية. ويوضّح تقرير للتلفزيون الوطني عن رعاية ضربات الحرّ هذا الواقع: ففي مستشفى منجي سليم (18) بالمرسى، توفيت مريضة بعد أن دخلت بحرارة جسم بلغت 43 درجة، إثر تعرّض طويل للحرارة في فضاء مغلق. كما يصيب إجهاد الحرارة الحياة غير البشرية: ففي سوسة، سجّلت مزارع الدواجن نسبة وفيات بلغت 50% (19) بفعل الأثر المشترك لموجة الحرّ وانقطاعات الكهرباء.
كيف يُقدَّر عدد الوفيات الناجمة عن الحرّ؟
بما أنه لا يمكن نسب وفاة فردية إلى الحرارة، فإن أثر موجة الحرّ يُقاس إحصائيًا على مستوى السكان. وتعتمد Santé publique France على مؤشرين متكاملين، لكن طريقة بنائهما تجعلهما غير قابلين للمقارنة.
الأول هو الفائض في الوفيات من جميع الأسباب. نقارن عدد الوفيات المسجّلة فعلًا بعدد الوفيات «المتوقعة» في الظروف العادية، أي ما كان سيُلاحَظ دون حدث خاص. وتُنمذج هذه الوفيات المتوقعة يومًا بيوم (منهجية EuroMoMo)، مع أخذ الاتجاهات طويلة الأجل والتقلبات الموسمية المعتادة بعين الاعتبار. والفارق بين الاثنين، أي الزيادة في الوفيات، يدل على فترة غير عادية، لكنه لا يمكن نسبه إلى الحرارة وحدها، لأن عوامل أخرى قد تتزامن خلال الفترة نفسها.
الثاني هو الوفيات المنسوبة إلى الحرارة. وهو يعتمد على علاقة إحصائية بين الحرارة والوفيات، مؤسسة على المعطيات التاريخية. ويُطبَّق بعد وقوع الحدث ليقدّر الجزء من الوفيات المنسوب فعليًا إلى التعرض للحرارة، لكل الأعمار ولمن بلغوا 75 سنة فأكثر، مع إدماج الآثار المتأخرة التي تستمر عدة أيام بعد الحلقة. وبذلك يعزل هذا المؤشر على وجه الخصوص أثر الحرارة.
وعمليًا، يُحسب الفائض حسب الولاية، على فترات تتجاوز فيها عتبات الإنذار مدةً ممتدة لثلاثة أيام، لمراعاة هذه الآثار المتأخرة. ولا يوجد شيء من هذا القبيل في تونس اليوم. وإقامة مثل هذا النظام، ولو بشكل مبسّط، هو الشرط للانتقال من عدّ تتداوله وسائل الإعلام والعائلات إلى تقييم عمومي مضبوط وقابل للمقارنة من حلقة إلى أخرى.
تتبّع المراضة، لا الوفيات فحسب
بعيدًا عن الوفيات، تبقى المراضة المرتبطة بالحرارة غير موثّقة في تونس أيضًا. وينبغي تفعيل مراقبة يومية بمجرد أن تُوضع ولاية في الإنذار البرتقالي من طرف المعهد الوطني للرصد الجوي، تركّز على اللجوء إلى الإسعافات الاستعجالية. ويجمع مؤشر محدد الحالات الأكثر حساسية لارتفاع الحرارة (ارتفاع حرارة الجسم وضربة الحرّ، والجفاف، وانخفاض صوديوم الدم)، من أجل متابعة ديناميكية الطلب على العلاج في الوقت شبه الحقيقي، وتعديل تدابير الوقاية والتدبير عند الاقتضاء. لكن هذا المؤشر لا يمكن أن يعكس وحده الأثر الصحي الكامل: فالتعرض للحرارة يسبب أيضًا اضطرابات قلبية وعائية وتنفسية وكلوية ونفسية، قد تستمر آثارها من ثلاثة إلى عشرة أيام بعد التعرض، وتؤدي أحيانًا إلى الوفاة. وأخيرًا، لا تكفي الاتجاهات المرصودة في المراضة للتنبؤ بتلك المرصودة في الوفيات: فالبُعدان يجب تتبّعهما معًا.
المنسيون الكبار: المرضى المزمنون، والنساء الماكثات في البيت، والعاملون المعرّضون للخطر
في غياب خطاب مؤسساتي، أعطت الشبكات الاجتماعية صوتًا للفئات الأكثر تعرضًا. وهذه الشهادات، التي لا يمكن التحقق منها فرديًا، يجب التعامل معها بوصفها إشارات ضعيفة (20)؛ لكن تقاربها يرسم خريطة للهشاشة كان على الدولة أن ترسمها بنفسها. وتشمل رسالة مواطن بعد وفاة أمه، وصرخات مرضى يعتمدون على أجهزة كهربائية، وشهادة مريضة، أو مواطنين محتجزين في مصعد أثناء انقطاع. وهي حالات لم تتوقعها لا STEG ولا وزارة الصحة عبر إحصاء مسبق للأسر المعتمدة على الكهرباء.
وتوجد فئة تكاد تغيب تمامًا عن الرادار العمومي: النساء الماكثات في البيت، اللواتي يقضين معظم النهار في مساكن غالبًا ما تكون سيئة التهوية وغير مكيّفة، وهو تحديدًا الوضع المعرّض للحرارة المطوّلة في فضاء مغلق، الذي كان وراء الوفاة الموثّقة في مستشفى منجي سليم (18). وقد نبّهت Resilient Futures أصلًا إلى الهشاشة الخاصة للنساء الماكثات في البيت، وهي نقطة عمياء مستمرة في رسائل الوقاية. وعلى الطرف الآخر من التعرض، يظل العمال الزراعيون والعاملون في الهواء الطلق، بعد شهرين من أول رسالة موسمية، غائبين عن أي توجيه رسمي بوصفهم أصحاب حقوق، رغم أن مجلة الشغل تُلزم المشغّل بحماية السلامة الجسدية لعماله، وأن منظمة الصحة العالمية تصنّفهم ضمن الفئات ذات الأولوية.
مبادرات معزولة لم تُعمَّم أبدًا
بعض الاستجابات المتفرقة، وغالبًا المحلية، تُظهر مع ذلك أن الفعل ممكن بالوسائل المتاحة. ففي سيدي بوزيد، أمّن جهاز المرضى الموصولين بالأوكسجين (21) منذ 18 يوليو؛ وفي سليانة، دعت المندوبية الجهوية للصحة (22) المرضى الذين يتلقون العلاج بالأوكسجين في منازلهم إلى التوجه إلى أقرب مؤسسة علاج في حال الانقطاع. وعلى جانب الطاقة، عبّأت الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة الأئمة (23) لنقل نصائح الترشيد والوقاية، واستعمل عدة أطباء وسائل الإعلام للتنبيه إلى ضربات الحرّ. ولهذه المبادرات حدّ واحد مشترك: فهي تبقى معزولة، وتعتمد على التزام فاعلين محليين، ولا تُنسَّق ولا تُعمَّم على المستوى الوطني. فما الذي يمنع تعميم بروتوكول بسيط، كإحصاء الأسر المعتمدة على الكهرباء، وإعلام موجّه، ونقاط للتبريد، وهو ما استطاعت المندوبيات الجهوية أن تُرتجله في غضون ساعات؟ إن الجواب يكمن في الأمر أقل من الوسائل، وأكثر في غياب قيادة وطنية تحوّل هذه الممارسات الجيدة المتفرقة إلى سياسة عمومية.
4.4 التداعيات على الماء
أثّرت انقطاعات الكهرباء مباشرة على تزوّد المياه، لأن محطات الضخ التابعة لـ SONEDE تعتمد على شبكة الكهرباء. وقد ندّد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (FTDES) (24)، منذ 14 يوليو، بـ«أزمة مياه» تطال ولايات تتجاوز المناطق المهمّشة تاريخيًا (أريانة، وبن عروس، وسوسة، والمنستير، والمهدية، ونابل، والقيروان)، مع انقطاعات ليلية مبرمجة أصبحت ممارسة عادية. ومعدل امتلاء السدود (نحو 60%)، الذي وُصف بأنه مطمئن، يحوّل التشخيص من أزمة موارد إلى أزمة تدبير وبنية تحتية متقادمة (خسائر في الشبكة تتراوح بين 25 و30%). وقد جرت احتجاجات في المتلوي ولضياب.
4.5 تصعيد نقابي ورئاسي ثم برلماني (18–21 جويلية)
في 18 يوليو، طالب الاتحاد العام التونسي للشغل بخطة وطنية للإنقاذ (25) هيكلية للماء والكهرباء، رافضًا التفسير الجوي لصالح تشخيص «عقد من التسويف السياسي»، مع الدفاع في الوقت نفسه عن أعوان الميدان ضد أي منطق لكبش الفداء. وفي عطلة الأسبوع نفسه، وصف الرئيس قيس سعيّد، خلال زيارته إلى غدير الجولة، الانقطاعات بـ«غير الطبيعية» (26). وأخيرًا، طالب نواب مجلس نواب الشعب في 21 جويلية بجلسة عامة مخصصة (27)، لينتقل النقاش إلى المستوى البرلماني.
4.6 عجز هيكلي مُقاس وكلفة اقتصادية متزايدة
أصبحت الفجوة بين العرض والطلب موثّقة: نحو 6000 ميغاواط ذروةً مقابل طاقة وطنية تبلغ 4630 ميغاواط، أي عجز قدره 1370 ميغاواط تغطّيه الواردات الجزائرية. وعلى الجانب الصناعي، يُبلغ الاتحاد (UPMI) عن توقّف آلات وخسائر في الإنتاجية، في حين تطالب CONECT بمزيد من الشفافية في نشر جداول تخفيف الأحمال. وتُقدَّر كلفة الكيلوواط ساعة غير الموزّع بين 4 و5 دنانير تونسية، وهو مقياس يحدد الثمن الاقتصادي لعدم الاستعداد. ويهدف برنامج للبنك الدولي (430 مليون دولار) أخيرًا إلى تحسين موثوقية القطاع؛ وينص تقريره لشهر جوان 2026 على أن خسائر الشبكة تراوح مكانها عند 19% (والهدف 15%)، وهي نسب قريبة من خسائر شبكة المياه.
4.7 أزمة هيكلية، لا حادث جوي
إن نسب الانقطاعات إلى موجة الحرّ وحدها يعني الخلط بين المُحفّز والسبب. فالحرارة تفسّر ذروة الطلب، لكنها لا تفسّر لماذا تجد البلاد نفسها، كل صيف، على بُعد بضعة ميغاواطات من الانهيار. ويوثّق عمل معطيات نشرته Inkyfada، استنادًا إلى تقارير STEG والمرصد الوطني للطاقة والاستماعات البرلمانية، أزمة قائمة منذ نحو خمسة عشر عامًا. فقد انتقل هامش احتياط الشبكة من 28% من الذروة سنة 2022 إلى 20% سنة 2026، أي دون عتبة اليقظة لدى مسيّري الشبكة. ويعتمد الإنتاج بنسبة 94% على الغاز الطبيعي، الذي تراجع إنتاجه المحلي إلى النصف منذ 2010، ما رفع الاعتماد على الغاز الجزائري إلى ثلاثة أرباع التزوّد، وهو بالضبط المسلك الذي قلّصه عطب سيدي عقبة في ذروة الموجة الحارة.
وإلى هذه الهشاشة في التزوّد يُضاف استثمار ناقص مزمن: فلم تُدخل أي محطة كبرى للإنتاج الخدمة منذ رادس C سنة 2022، في حين تبيع STEG الكيلوواط ساعة بـ291 مليمًا مقابل كلفة إنتاج قدرها 456 مليمًا. والنتيجة مديونية بلغت 7.36 مليار دينار وفواتير غير مسدّدة بقيمة 6.06 مليار دينار (بما فيها فواتير المؤسسات العمومية) في منتصف 2026، ودعم للطاقة ارتفع من 550 مليون دينار سنة 2011 إلى أكثر من 7100 مليون سنة 2025. ولا يمكن لمؤسسة في هذا الوضع أن تموّل قدرات جديدة. ثم يكتمل وصف مسار يعود إلى أسباب مؤسساتية أكثر منها جغرافية: التأخر في الطاقات المتجددة، إذ تمثل 6% من الإنتاج الفعلي مقابل هدف رسمي قدره 35% سنة 2030 (28). ويتقاطع هذا التشخيص، الذي نوقش على نطاق واسع في الشبكات الاجتماعية التونسية، مع القراءة المواطنة السائدة: «الأزمات لا تولد في الصيف؛ بل تولد عندما يتوقف الاستثمار، وتتراكم البيروقراطية، ويغيب القرار».
وتكشف الاستجابة المؤسساتية لهذه الأزمة الهيكلية عن الكثير. ففي 21 يوليو، أي في خضم تخفيف الأحمال، نشرت STEG مرجعًا تقنيًا من 143 صفحة يسمح أخيرًا ببطاريات التخزين (29) على التركيبات الكهروضوئية المنزلية المربوطة بالشبكة منخفضة التوتر، بما يتيح للأسر المجهّزة بها مواصلة التزوّد أثناء الانقطاعات. ويأتي هذا القرار، المنتظر منذ زمن طويل، في إطار القانون عدد 12 لسنة 2015 المؤرخ في 11 ماي 2015 (30) المتعلق بإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، والذي يسمح بالإنتاج الذاتي وبيع الفائض لـ STEG في حدود 30% من الإنتاج السنوي. والتوقيت، أي ضوء تنظيمي أخضر يُنشر في قلب الأزمة التي كان يمكن أن يخفّفها لو جاء أبكر، يلخّص وحده منطق الانتظار الذي يخترق الحلقة كلها.
ولا تقتصر كلفة هذا التقصير على البعد البشري. فقد ندّد الاتحاد التونسي للنسيج والملابس (FTTH) (31)، في 21 يوليو، بانقطاعات «يستحيل توقعها»، تقع نهارًا وليلًا دون جدول موثوق ولا احترام للنوافذ المعلنة، إلى درجة تحويل «صعوبة تقنية إلى أزمة ثقة» مع المشغّل العمومي، حسب تعبيره.
والأسر الهشة والنسيج الإنتاجي يطالبان إذن بالحد الأدنى نفسه: الرؤية، وجدول موثوق، وتواصل لا يكون متأخرًا ولا متغيرًا باستمرار.
5. حرائق الغابات: حصيلة ثقيلة وضغط غير مسبوق على الإنقاذ
في هذا المجال، كان العمل العملياتي حقيقيًا، لكن الحصيلة تبقى ثقيلة. فحسب الحماية المدنية والإدارة العامة للغابات، أتت 101 حريق على نحو 1787.7 هكتارًا بين 1 جوان و22 يوليو؛ وتتركز 90 من هذه الاندلاعات في الفترة الممتدة من 11 إلى 22 جويلية وحدها، منها 77 تحت السيطرة التامة، و10 في طور التبريد يوم 22 يوليو، مع بقاء ثلاث بؤر نشطة (جبل تكرونة بالكاف، ورأس نيغرو ببجة، ورفراف وسيدي علي المكي ببنزرت). وأكبر الحرائق، جبل شهمة بزغوان، وهو يتجاوز 400 هكتار وأُعلن يوم 11 يوليو، استدعى تعزيزات بالمروحيات. وقد أخمدت عملية مشتركة تونسية–جزائرية (32) حريقًا حدوديًا يوم 17 يوليو، وهو مثال للتعاون الإقليمي يُقارَن بالترابط الكهربائي. وكلما اشتدت موجة الحرّ، انتقل معظم موارد الحماية المدنية نحو مكافحة حرائق متزايدة العدد، وبالتالي تراجعت آليًا القدرة على مواجهة الطوارئ المرتبطة بالحرارة نفسها. وبالمقارنة مع 2023 (كريب ومالولة، نحو 1200 هكتار لكل منهما)، فإن 2026 أقل حدة على مستوى كل حريق، لكن وتيرة الاندلاع، حريق كل خمس دقائق في ذروة الحلقة، تكشف عن ضغط غير مسبوق على مصالح مثقلة أصلًا.
6. التواصل الجيد ينقذ الأرواح
إذا ظل التواصل العمومي التونسي متأخرًا ومجزّأً، فذلك أيضًا لأنه لم يستوعب درسًا راسخًا في مكان آخر: جودة التواصل في الأزمات تُقاس وتُختبر وتُقيَّم. فقد نشر تحليل صدر سنة 2026 حول إحدى عشرة مبادرة أوروبية (ألمانيا وفرنسا واليونان وهولندا)، وحملات منظمة الصحة العالمية والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، دروسًا قابلة للنقل. وتُعدّ فرنسا (Santé publique France) مرجعًا: فهي تُفضّل رسائل إيجابية تركز على الفائدة لا على الخوف، وقيس أثرها على السلوكيات الوقائية لدى أكثر من 3000 شخص. وأجرى المعهد الهولندي (RIVM) أول تقييم شامل لخطته ضد الموجات الحارة بعد عشرين سنة، فانتقل بالرسالة من الحماية الذاتية نحو التضامن. وعلى العكس، فإن أغلب الحملات لا تُختبر ولا تُقيَّم، ويختزل نجاحها في مؤشرات زيارات الموقع.
والدرس بالنسبة لتونس مزدوج. في المنهج: لا تكتسي رسالة الوقاية قيمة إلا إذا صُمّمت انطلاقًا من واقع جمهورها (أسرة بلا تكييف لا يمكنها «أن تجد مكانًا باردًا») وقُيّمت على أثرها الفعلي، لا على مجرد انتشارها. وفي المحتوى: تقدّم الحصيلة الزائدة للوفيات التي نشرتها Santé publique France لشهري جوان ويوليو 2026 نموذج ما ينبغي أن تنتجه المصالح التونسية: على الأقل 5764 وفاة زائدة (+36.2%) عبر 92 إقليمًا، وهي الحصيلة الأعلى منذ 2003، مع تفصيل حسب العمر (ثلثان لدى من بلغوا 75 سنة فأكثر)، وحسب الجهة ومكان الوفاة، ومنشورة بعد ثلاثة أسابيع من الحلقة.
ولا شيء من هذا موجود في تونس: لا تقدير للفائض في الوفيات، ولا توزيع حسب العمر أو الجهة أو مكان الوفاة، ولا نشر في وقت شبه حقيقي. ومع ذلك، فهذا النوع من المعلومات هو ما يتيح معايرة الإنذار، وتحديد الفئات المعرّضة للخطر، وتقييم الإجراءات. ودرس Santé publique France هو أيضًا الأكثر إزعاجًا للموقف المتسم بالانتظار في تونس: فهذه الآثار «تُبرز أهمية وضع تدابير للتدبير والوقاية… دون انتظار رصد الآثار الصحية». أن نتوقع بدل أن نعاين: النقيض التام للتسلسل الذي لوحظ في تونس.
7. الدروس المستخلصة والرافعات للعمل في الحلقات المقبلة
تظل الاستجابة العمومية الملحوظة تفاعلية وقطاعية طوال الفترة كلها. وتجاوزها يقتضي مستويين للعمل: أولًا إرساء حوكمة وتخطيط للمخاطر، ثم تعزيز التواصل والحماية العملياتية، وهي هنا مغنّاة بدروس الشطر الثاني من الحلقة.
الحوكمة والتخطيط
1. قيادة من السلطة التنفيذية. الحرّ الشديد خطر عرضاني (الصحة والشغل والطاقة والماء والفلاحة): ينبغي تعيين مسؤول بين-وزاري يتولى تنسيق الإنذار والاستجابة، بدل ترك كل إدارة، بما فيها STEG وSONEDE في خضم الأزمة، تتواصل بمعزل عن غيرها.
2. خطة وطنية للموجات الحارة. اعتماد خطة وطنية للعمل «الحرارة-الصحة» تتماشى مع توجيهات منظمة الصحة العالمية: الحوكمة، ومنظومة الإنذار، والفئات المعرّضة للخطر، والتواصل، ومتانة النظام الصحي، والحدّ من التعرض، والمراقبة والتقييم.
3. خطط محلية للموجات الحارة تقودها البلديات. ينبغي أن تتوفر كل بلدية على خطتها المحلية للمناخ والموجات الحارة: تحديد الأشخاص الهشّين، وأماكن التبريد، وتعبئة قريبة من المواطن.
4. مكوّن خاص بأزمة الطاقة والماء. وضع بروتوكول مشترك للتواصل في الأزمات لـ STEG وSONEDE، مع أجل أقصى للتصريح العمومي الأول، وتمييز واضح بين تخفيف الأحمال المبرمج والعطب التقني، وإطار تفسيري موحّد يتفادى تعدد الروايات المتنافسة بين المشغّلين والرئاسة والبرلمان.
5. منصة رقمية للمتابعة في الوقت الحقيقي. تطوير قناة رسمية واحدة (تطبيق أو موقع) لتتبّع انقطاعات الكهرباء والماء في الوقت الحقيقي، والمناطق والأوقات الفعلية، ونقاط التبريد المفتوحة، والتوجيهات الصحية، متاحة للأسر والمقاولات على حد سواء، لتحلّ محل العدّ المواطني المرتجل على الشبكات الاجتماعية معلومات موثوقة.
6. مؤشر للمراضة المرتبطة بالحرارة. تفعيل مراقبة يومية لاستعمال الإسعافات الاستعجالية بمجرد أن تُوضع ولاية في الإنذار البرتقالي من طرف المعهد الوطني للرصد الجوي، استنادًا إلى مؤشر يجمع الحالات المتعلقة بارتفاع حرارة الجسم وضربة الحرّ، والجفاف، وانخفاض صوديوم الدم، مكمّلًا بتتبع الاضطرابات القلبية الوعائية والتنفسية والكلوية والنفسية (آثار قد تستمر من 3 إلى 10 أيام)، لتعديل الوقاية وتدبير الأزمة في الوقت الحقيقي.
التواصل والحماية
7. تحويل الإنذار إلى توجيهات. إقران كل نشرة للمعهد الوطني للرصد الجوي بتوصيات سلوكية تُبثّ قبل الذروة لا أثناءها، وعرض أي عودة للحرّ صراحةً بوصفها الاستمرار المتوقع لحلقة سابقة لا حدثًا جديدًا.
8. تنسيق المتحدثين باسم المؤسسات. آلية بين-مؤسسية تتكلم بصوت واحد، بدل بيانات معزولة وغير مترابطة بين STEG وSONEDE والحماية المدنية والإدارة العامة للغابات وغيرها.
9. تسمية العمال المعرّضين للخطر صراحةً. إدراج العمال الزراعيين والعاملين في الهواء الطلق ضمن الجمهور ذي الأولوية، تمشيًا مع توصيات منظمة الصحة العالمية.
10. وضع المعطيات في سياقها. المقارنة المنهجية للأرقام بالمعدلات والحلقات السابقة، لجعل الاختلال المناخي مرئيًا.
11. إدماج مؤشرات الحرارة الليلية والاستمرارية. إضافة الليالي المدارية والاستوائية ومؤشر الحرارة المحسوسة إلى معايير اليقظة الرسمية.
12. تعميم إحصاء الأسر المعتمدة على الكهرباء. توسيع آلية سيدي بوزيد المحلية على الصعيد الوطني، لفائدة المرضى الموصولين بالأوكسجين وغيرهم ممن يعتمدون على أجهزة طبية كهربائية، مع إشعار مسبق بالانقطاعات (رسائل قصيرة، وتطبيقات).
الخاتمة
لا يمكن قراءة الحلقة الحرارية الممتدة من 10 إلى 22 جويلية 2026 بوصفها أزمة أُحسن تدبيرها. فقد تجاوزت الأحداث المؤسسات التونسية إلى النهاية: لم تُفعَّل أي خلية أزمة بين-وزارية، ولم يتكلم أي مسؤول رفيع المستوى بشكل متواصل، ولم تُحدَّد أي حصيلة بشرية، وكانت المكاسب القليلة، كتعميم نشر STEG لمعلوماتها تحت الضغط، غير موثوقة ولا منسّقة. أما الاعتراف السياسي نفسه (من النقابة، ثم الرئاسة، ثم البرلمان) فقد جاء متأخرًا، بعد ظلمة تاريخية وأزمة مياه واسعة وحصيلة يقدّرها أطباء شباب بين 150 و200 وفاة، لم تؤكدها الدولة ولا حقّقت فيها ولا اعترفت بها حتى.
والنقطة الأخطر ليست أن الحلقة كانت عنيفة، بل أنها كانت متوقعة تمامًا. فبيانات المعهد الوطني للرصد الجوي، وكذلك الذاكرة البسيطة للصيوف السابقة (فالخمس سنوات الأحرّ التي سُجّلت على الإطلاق في تونس كلها بعد 2021)، كانت تسمح بتوقّعها. أما النقاش العمومي فقد افتقر إلى العناصر العلمية التي كانت ستنيره: مؤشرات الحرارة الليلية والاستمرارية التي لم تُستعمل قط، وغياب المراقبة الصحية، والأسباب الهيكلية للأزمة الطاقية المحجوبة وراء ذريعة الطقس. لقد فضّلنا أن نتحمّل خطرًا يُقدَّم بوصفه استثنائيًا، بدل أن نعترف بهشاشة مستقرة منذ زمن طويل.
وهذا الموقف السلبي والمستسلم هو النقيض التام للمبدأ الذي يقوم عليه التكيّف: أن نتوقع لنخفّض التعرض والهشاشة قبل وقوع الضرر. والبقاء في هذا المنطق له كلفة مزدوجة: أرواح بشرية (مرضى مرتبطون بأجهزة كهربائية، وكبار سن معزولون، ونساء ماكثات في البيت، وعمال معرّضون للخطر)، ومال: كلفة الكيلوواط ساعة غير الموزّع، والخسائر الصناعية، والماشية المُبادة، وسمعة اقتصادية هشة. فتونس تملك المعطيات، والأطر الدولية (منظمة الصحة العالمية، والمكتب الأممي للحد من مخاطر الكوارث)، ورصيدًا من الممارسات المحلية الجيدة المرتجلة. وما ينقصها ليس المعرفة ولا الوسائل، بل القرار السياسي بالانتقال من تدبير تفاعلي للطوارئ إلى حوكمة تستبق المخاطر. فوراء كل إنذار حراري يكمن، قبل أي شيء، حماية الحياة البشرية وكل ما هو حيّ.
المصادر
تُذكر المصادر بلغتها الأصلية.
1. Institut National de la Météorologie (INM) (2024, juin). Rapport climatique annuel 2023.
2. European Environment Agency (EEA) (2024). Europe's changing climate hazards — Heat and cold: extreme heat.
3. Business News (2026, 22 juillet). Canicule : entre 150 et 200 morts selon les estimations des jeunes médecins (OTJM).
4. Business News (2026, 22 juillet). Canicule et coupures : les jeunes médecins dénoncent le silence du ministère de la Santé.
5. Organisation mondiale de la Santé – Bureau régional de l'Europe (OMS/Europe) (2026). Lignes directrices relatives aux plans d'action chaleur-santé (2e éd.).
6. Algérie Éco (2026, juillet). Bilan des feux de forêt : protection civile.
7. La Presse (2026, 22 juillet). Un incendie toutes les cinq minutes : trois foyers toujours actifs (Protection civile / Direction générale des forêts).
8. Selectra (2026, 15 juillet). Coupures d'électricité Algérie-Tunisie : canicule et blackout.
9. WebManagerCenter (2026, 18 juillet). Coupures d'électricité : quel impact sur l'économie tunisienne ?
10. Institut national de la météorologie (INM) (2026, 8 juillet). Alerte météorologique – vague de chaleur [Publication Facebook].
11. Directinfo (WebManagerCenter) (2026, 13 juillet). Canicule : le ministère de la Santé appelle à la vigilance et rappelle les mesures de prévention.
12. Directinfo (WebManagerCenter) (2026, 15 juillet). Médenine : deux décès après une coupure d'électricité ayant interrompu des appareils d'oxygène.
13. Business News (2026, 16 juillet). Délestages électriques : la STEG annonce les zones concernées.
14. La Presse (2026, 20 juillet). La SONEDE lance un projet exceptionnel pour sécuriser l'approvisionnement en eau à Mornaguia.
15. Météo-France (s. d.). Nuit tropicale [Glossaire météorologique].
16. Santé publique France (2026). Fortes chaleurs et canicule : données de surmortalité (épisode juin-juillet 2026).
17. La Presse (2026, 16 juillet). Le PDG de la STEG : « les coupures d'électricité ne dépassent pas une heure ».
18. Télévision tunisienne (Wataniya 1) (2026, juillet). Prise en charge des coups de chaleur à l'hôpital Mongi Slim (La Marsa) [Vidéo]. YouTube.
19. La Presse (2026, 22 juillet). Jusqu'à 50 % de mortalité dans les élevages de volailles en raison de la canicule et des coupures d'électricité à Sousse.
20. Témoignages citoyens (2026, juillet). Publications sur les réseaux sociaux (Facebook, Instagram) relatives à l'épisode caniculaire [compilation de témoignages]. (1) (2) (3) (4) (5) (6)
21. La Presse (2026, 18 juillet). Coupures d'électricité à Sidi Bouzid : un dispositif d'urgence pour les patients sous oxygène.
22. Tunisie Numérique (2026, 21 juillet). Siliana : appel urgent aux patients sous oxygénothérapie à domicile.
23. Agence nationale pour la maîtrise de l'énergie (ANME) (2026, juillet). Sensibilisation des imams à la maîtrise de l'énergie [Publication Facebook].
24. Kapitalis (2026, 15 juillet). La Tunisie en proie à une crise d'approvisionnement en eau.
25. La Presse (2026, 18 juillet). L'UGTT appelle à un plan d'urgence pour sauver la STEG et la SONEDE.
26. WebManagerCenter (édition arabe) (2026, 19 juillet). Le président de la République qualifie les coupures d'électricité d'« anormales ».
27. La Presse (2026, 21 juillet). ARP : des députés exigent une séance plénière sur le problème des coupures d'électricité.
28. Inkyfada (2026, 20 juillet). Tunisie : la crise de l'électricité en chiffres.
29. Tunisie Numérique (2026, 22 juillet). La STEG autorise l'installation de batteries de stockage photovoltaïque reliées à des onduleurs hybrides.
30. Journal officiel de la République tunisienne (2015, 11 mai). Loi n° 2015-12 relative à la production d'électricité à partir des énergies renouvelables.
31. Tunisie Numérique (2026, 21 juillet). Coupures d'électricité : la FTTH réclame un calendrier fiable et la priorité pour les zones industrielles.
32. La Presse (2026, 18 juillet). Incendie de forêt à la frontière : une intervention tuniso-algérienne évite la propagation des flammes vers la Tunisie.
33. npj Climate Action (2026). How effective are communication strategies for extreme heat in Europe? Nature Portfolio.
34. Africanews (2026, 23 juillet). Extreme heatwave grips Tunisia as wide power cuts fuel frustration.